الفيض الكاشاني

138

علم اليقين في أصول الدين

الذي صدرت الأمور عن مشيّته ، وتصاغرت عزّة المتجبّرين دون جلال عظمته ، وخضعت له الرقاب ، وعنت الوجوه من مخافته ، وظهرت في بدائع الذي أحدثها آثار حكمته ، وصار كلّ شيء خلق حجة له ومنتسبا إليه ؛ وإن كان خلقا صامتا فحجّته بالتدبير ناطقة فيه . فقدّر ما خلق ، فأحكم تقديره ووضع كلّ شيء بلطف تدبيره موضعه ، ووجّهه بجهة « 1 » فلم يبلغ منه شيء حدود منزلته ، ولم يقصر دون الانتهاء إلى مشيّته ، ولم يستصعب إذ أمره بالمضيّ إلى إرادته - بلا معاناة للغوب مسّه ، ولا مكابدة لمخالف له على أمره - فتمّ خلقه ، وأذعن لطاعته ، ووافى الوقت الذي أخرجه إليه إجابة ؛ لم يعترض دونها ريث المبطئ ، ولا أناة المتلكّئ ؛ وأقام من الأشياء أودها وتهيء « 2 » معالم حدودها ، ولاءم بقدرته بين متضادّاتها ، ووصل أسباب قرائنها ، وخالف بين ألوانها ، وفرّقها أجناسا مختلفات في الأقدار والغرائز والهيئات . بدايا « 3 » خلائق أحكم صنعها ، وفطرها على ما أراد إذ ابتدعها ؛ انتظم علمه صنوف ذرئها ، وأدرك تدبيره حسن تقديرها . أيّها السائل - اعلم أنّ من شبّه ربّنا الجليل بتباين أعضاء خلقه ، وبتلاحم أحقاق مفاصلهم المحتجبة بتدبير حكمته : إنّه لم يعقد غيب

--> ( 1 ) - يحتمل القراءة : بجهته . ( 2 ) - المصدر : نهّى . ( 3 ) - في هامش النسخة : بدايا : جمع بدئ . وهو العجيب البديع . والبدايا خبر مبتدأ محذوف ، تقديره : هذه الأشياء التي وصفتها بدائع خلائق .